سيد قطب

1188

في ظلال القرآن

أن ذلك كذلك . يحسبون أن الإيمان إليهم ، والكفر بأيديهم ، متى شاءوا آمنوا ، ومتى شاءوا كفروا . وليس ذلك كذلك ، ذلك بيدي . لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته ، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته ) . وهذا الأصل الذي يقرره ابن جرير هنا هو الصحيح . ولكنه يحتاج إلى زيادة الإيضاح - التي أسلفناها - باستلهام مجموعة النصوص القرآنية عن الهدى والضلالة ومشيئة اللّه وجهد الإنسان . . إن الإيمان حدث والضلال حدث . وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من اللّه ينشئه : « إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » . فأما السنة التي يجري على أساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان ، فهي التي تبينها مجموعة النصوص . وهي أن الإنسان مبتلى بقدر من الاختيار في الاتجاه . فإذا اتجه إلى الهدى وجاهد فيه هداه اللّه ووقع هداه وتحقق بقدر من اللّه . وإذا اتجه إلى الضلال وكره الهدى أضله اللّه . ووقع ضلاله وتحقق بقدر من اللّه . . وهو على الحالين في قبضة اللّه وسلطانه . وحياته تجري بقدر اللّه وفق مشيئته الطليقة ، وسنته التي وضعتها مشيئته الطليقة . بعد ذلك تجيء آيتان في سياق السورة ؛ هما من ناحية تكملة للمعاني والحقائق التي تستهدفها الفقرة السابقة التي انتهينا من الحديث عنها . ومن ناحية هما تمهيد للقضايا العقيدية المتعلقة بالسلطان والشريعة والحاكمية . وهي القضايا التي تستغرق ما تبقى من السورة . . الآيتان : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً - وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ - فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَلِيَرْضَوْهُ ، وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » . . . كذلك . . كالذي قدرناه من أن أولئك المشركين الذين يعلقون إيمانهم بمجيء الخوارق ، ويعرضون عن دلائل الهدى وموحياته في الكون والنفس ، لا يقع منهم الإيمان ولو جاءتهم كل آية . . كذلك الذي قدرناه في شأن هؤلاء ، قدرنا أن يكون لكل نبي عدوهم شياطين الإنس والجن . وقدرنا أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليخدعوهم به ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهدى . وقدرنا أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويرضوه ، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق ؛ ومن الضلال والفساد في الأرض . . كل ذلك إنما جرى بقدر اللّه ؛ وفق مشيئته . ولو شاء ربك ما فعلوه . ولمضت مشيئته بغير هذا كله ؛ ولجرى قدره بغير هذا الذي كان . فليس شيء من هذا كله بالمصادفة . وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر كذلك أو قدرة ! فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم ، وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم . . إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة اللّه ويتحقق بقدر اللّه ، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة اللّه من وراء ما يجري في الأرض ؛ بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه . . « وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ، شياطين الإنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا » . .